
الحملة الوطنية لإقرار قانون الحقوق القانونية والمدنية لغير محددي الجنسية «البدون».. في الكويت بين الحقوق المدنية والتجنيس د. سامي ناصر خليفة آثار مترتبة على المعالجات الحكومية بين سندان نظرة الحكومة إلى المعالجة الأمنية السياسية دون مراعاة البعدين الاجتماعي والإنساني، وبين مطرقة الأساليب التعسفية التي اتبعتها اللجان المكلفة بحل المشكلة ابتداء من حرمانهم من الحقوق المدنية كما أسلفنا سابقا، وانتهاء بوضع القيود الأمنية على طلباتهم بالتجنيس أو تعديل أوضاعهم القانونية، بين هذا وذاك أصبحت تلك الفئة تعيش أزمة معاناة حقيقية جاءت نتيجتها الطبيعية، بل والحتمية ازديادا طاردا في الآثار الاجتماعية والانعكاسات الأمنية الخطرة بصورة من شأنها أن تؤثر سلبا على البنية الجيوسياسية للمجتمع الكويتي. فقد استشرى الفقر المدقع المفروض عليهم كنتيجة طبيعية للمنع من العمل في القطاع العام والتضييق عليهم في القطاع الخاص، رغم أن فئة الشباب الذين يملكون الطاقة والكفاءة والحيوية يمثلون الأكثرية بين فئة «البدون». هذا المنع من العمل في القطاعين الخاص والعام طيلة العقد الماضي جعلهم عرضة للاستغلال، حيث يقوم بعض أصحاب الأعمال باستغلال الأوضاع المعيشية المتردية لتشغيلهم برواتب متدنية جدا تصل إلى أقل من خُمس الراتب الطبيعي تقريبا، وفي أغلب الأحيان يقبل هؤلاء تلك الرواتب المتدنية حيث ليس أمامهم خيار للامتناع. كما أن انتشار الأمية جاء نتيجة للصعوبة التي تلاقيها الأسر من فئة «البدون» في تعليم أبنائها، حيث اضطرت أكثر أسر «البدون» إلى التوقف عن تدريس بناتها في بداية الأمر، وآثرت تدريس أولادها فقط، ثم تطور الأمر مطلع الألفية الثالثة إلى أن أجبرت بعض الأسر على إيقاف كل أبنائها عن التعليم، مما أدى إلى جلوس آلاف الأطفال في مساكنهم محبطين مقهورين. ولتلك الحالة تبعات طبيعية تتمثل في ارتفاع نسبة الانحراف في القوامة الاجتماعية والاضطراب في السلوك الأخلاقي بين تلك الفئة العمرية. فالإنسان غير المتعلم الممنوع من الدراسة والعمل والمحتاج لتوفير لقمة العيش في نفس الوقت لمواجهة متطلبات الحياة ومصاعبها، سيضطر إلى اللجوء إلى مختلف الوسائل لتوفير لقمة العيش مما سيربك الأمن الاجتماعي والاستقرار السلوكي الذي تسعى الدولة جاهده لإحقاقه، مع ملاحظة أن الحكومة قد عالجت هذا الموضوع عام 2004 بتأسيس صندوق لكفالة الأطفال غير القادرين على دفع الرسوم الدراسية استجابة لضغوط شعبية وبرلمانية، إلا أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جدا حيث ان الكثير من أبناء هذه الفئة قد اجتاز بعض مراحله العمرية الأولى دون تعليم. كما أن ارتفاع تكاليف مراجعة الأطباء في المستوصفات والمستشفيات والعيادات الطبية الخاصة أدى إلى إحجام أسر من هذه الفئة في كثير من الأحيان عن المراجعة، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأمراض وانتشارها، والتأخر في علاجها، وبالتالي نسبة كبيرة من تلك الشريحة غير القادرة على دفع تكاليف العلاج أصبحت مهددة بكوارث صحية لا يمكن قبولها في دولة تصرف مئات الملايين من الدنانير لتهيئة وتطوير الخدمات فيها، وقد سجلت مستشفيات الجهراء والفروانية والعدان حالات مرضية كثيرة من فئة «البدون» تنتهي بالوفاة نتيجة لإهمال في المعالجة الصحية. ومن الآثار الطبيعية للجهل والفقر والضغوط النفسية، انتشار ظاهرتي تعاطي وترويج المخدرات واستخدام العنف في تصفية الحسابات حين الاختلاف، فالإنسان الذي يرى نفسه قادرا على العمل، ولكن القانون يحرمه بلا سبب منطقي، سيصل إلى مرحلة يتمرد فيها على القانون وبالتالي من الطبيعي أن يلجأ بعضهم إلى ارتكاب الجرائم واستخدام وسيلة العنف كأسلوب وحيد لاسترجاع الحقوق. ونتيجة لذلك، فإنه من الطبيعي أن يفقد المجتمع الأمن، وتزداد جرائم القتل والسطو والسرقات وتعاطي وترويج المواد المخدرة وتتفاقم الأمراض وتتفشى الممارسات اللاأخلاقية. كما أنه ولترابط فئة «البدون» مع النسيج الاجتماعي الكويتي، فإن هذه الآثار السلبية لم تعد تقتصر على تلك الفئة فقط، وإنما امتدت لتطول المجتمع الكويتي بأسره، ولكن ما يلفت النظر أن نسبة ارتكاب الجرائم في أوساط فئة «البدون» أقل منها بين بقية فئات المجتمع الأخرى من مواطنين ووافدين، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حالة رضوخ فئة «البدون» شبه الكامل للمصير المحتوم واستسلام تلك الفئة الطوعي للقدر المحتوم الذي ورثوه أب عن جد، إضافة إلى أن الكثير من تلك الأسر تنتمي إلى قبائل وأسر مشهود لها بالتزامها بالعادات والتقاليد والقيم المستمدة من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف. على صعيد آخر، نجد أن الكثير من الشواهد التاريخية طيلة العقود الخمسة الماضية تدل دلالة قطعية على أن الحكومة الكويتية ما زالت غير مدركة أهمية وضرورة الاستعجال في حل مشكلة «البدون» بأسلوب إنساني من جانب، وبما يخدم مصالح البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والديموغرافية من جانب آخر. فإبقاء قطاع كبير من مواطنيها محرومين من الجنسية يوفر سببا للنقمة ضد نظام الحكم والاستياء من المجتمع، ويخلق أرضية خصبة للعمل المناوئ في جميع المجالات السلبية منها أو الإيجابية، خصوصا وأن هناك آلاف الأشخاص من فئة «البدون» من الذين هاجروا إلى الخارج ليستوطنوا في بلدان إقليمية وغربية بعضها يضع لاحترام حقوق الإنسان شأنا كبيرا، مما يشجع هؤلاء على الانخراط في العمل الحقوقي ليشكلوا ضغطا خارجيا كبيرا لا يستهان به على حكومة الكويت. وكان نظام البعث في العراق قد سعى في فترات متفاوتة قبيل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003م لاستغلال وجود مشكلة «البدون» في الكويت من أجل تشويه سمعة البلاد عبر الإعلام بعد أن تجمع المئات من العراقيين بلباس الكويتيين على الحدود مع الكويت مدّعين أنهم من «البدون» ومهدّدين بعبور الحدود! وأسندت بغداد هذا التحرك بتقارير سربتها للإعلام تفيد بأن عددا من «البدون» الذين هاجروا إلى العراق بعد عام 1991م قد التحقوا بمعسكرات التدريب، في إشارة واضحة لقدرة النظام العراقي آنذاك على تحريك القضية متى شاء بهدف زعزعة أمن الكويت واستقرارها. كما أن استمرار قضية البدون بات يوفر للمنظمات الحقوقية مادة خبرية وأدلة عينية ومجالا لانتقاد الكويت علنا في المحافل الدولية، ويمكن الاستشهاد بما قامت به منظمة Human Rights Watch الأمريكية بزيارتها الكويت منتصف التسعينيات حين أصدرت على إثرها أربعة عشر توصية للحكومة الكويتية تطالبها التخلي عن سياسة التمييز ضد فئة «البدون». ويمكن الرجوع أيضا إلى تقارير «منظمة العفو الدولية» المتعلقة بقضية «البدون»، التي تطالب حكومة الكويت التخلي عن سياسة التمييز بين السكان. وأيضا تقارير وزارة الخارجية الأميركية التي تشير بعضها بلغة غاية في السلبية لدور الحكومة في معالجة تلك المشكلة. كل ذلك يشير إشارة قطعية على أن حكومة الكويت بسياستها المتبعة ضد فئة «البدون» قد جرّت على البلاد سمعة دولية غير حميدة بسبب حجم التجاوزات القائمة منذ أكثر من عقدين طالت البعدين الإنساني والقانوني. كما أن هناك استغرابا شعبيا شديدا تجاه حالة اللامبالاة في دوائر ومؤسسات الحكم في الكويت إزاء الانتقادات التي توجه باستمرار للحكومة بسبب تجاهلها الرأي العام المحلي والتقارير الخارجية واستغاثات أصحاب المشكلة، خصوصا وأنه من مصلحة الكويت أن تتخلى الحكومة عن سياسة التمييز بين مواطنيها، وأن تعمل على النظر بعين مسئولة لأجيال عدة سكنوا الكويت عشرات من السنين وساهموا مساهمة بناءة في حمايتها وتعميرها في وقت مازالت تصر الحكومة على تسميتهم بفئة «البدون» وتستمر في عدم الاعتراف بكونهم أساسا مهما في النسيج الاجتماعي الكويتي. اللجنة التنفيذية (أو المركزية) للمقيمين بصورة غير قانونية: بعد تحرير الكويت وعودة مؤسساتها الحكومية إلى حيويتها ما قبل الغزو العراقي عام 1990، أسندت الحكومة مهمة النظر في ملف فئة «البدون» إلى وزارة الداخلية التي بدورها شكلت اللجنة التنفيذية للمقيمين بصورة غير قانونية وأناطت بها مهمات عدّة، أهمها بحث عشرات الآلاف من الطلبات المتقدمة للتجنيس لفئة «البدون»، واعتماد ما تنطبق عليه شروط التجنيس من جانب وكشف الحالات التي لا تنطبق عليها الشروط من جانب آخر. وتلك اللجنة - في نظري - غير مؤهلة من ناحية المبدأ على أن تتبنى وحدها هذا «الملف» الغاية في الحساسية، لأسباب عدة أهمها: تشكيلتها الأمنية واستبعاد الحقوقيين والأكاديميين والقانونيين المدنيين عنها. وبالتالي فإنه من الطبيعي للجنة أمنية كهذه أن تصب جل اهتمامها على البعدين الأمني والجنائي بعيدا عن الأبعاد الأخرى الإنسانية والحقوقية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، مما شكل عمل هذه اللجنة الانحراف الأهم في آلية معالجة الحكومة لمشكلة «البدون» في الكويت من جانب، وتسبب في تعقيدها أكثر وتحويلها إلى موقع يهدد أمن واستقرار من تنطبق عليهم شروط الحكومة في التجنيس من جانب آخر. ويمكن القول أن الإفراط بالهاجس الأمني هو الذي أدى إلى تبني اللجنة التنفيذية لبعض المعايير التي تتناقض صراحة مع مواد الدستور وروحه أثناء دراستها لملفات المتقدمين من فئة «البدون»، فمثلا تضع اللجنة إحصاء عام 1965 معيارا أوحد لإثبات تواجد أي فرد من فئة «البدون» على أرض الكويت في تلك الفترة، وتهمل بقية الأدلة والإثباتات الأخرى التي لا تقل أهمية عن تلك الوثيقة الإحصائية، كالشهادات الدراسية وإثبات السكن وشهادات الميلاد وإثبات الالتحاق بالعمل في شركة نفط الكويت أو غيرها من مؤسسات الدولة المعروفة آنذاك والتي تثبت بما يقطع الشك باليقين إقامة أصحابها في الكويت منذ الخمسينات والستينات، بل وحتى الأربعينات من القرن الماضي. ومن جانب آخر اعتمدت اللجنة ما اصطلح على تسميته بـ«القيد الأمني» لتبرّر رفضها عشرات الألوف من طلبات التجنيس لفئة «البدون»، مع عدم اعتماد أية معايير واضحة لتعريف «القيد الأمني»، مما سبب ربكة في المعالجة القانونية وشعورا بالظلم لدى الكثير من عوائل وأسر تلك الفئة ممن يستحقون الجنسية حسب المعايير التي وضعتها الحكومة نفسها، ناهيك عن كون هذا المصطلح الجديد يتناقض مع مصادر التشريع التي تأسس عليها دستور الكويت وهي المستمدة من الشريعة والعرف، وأيضا لتناقضها مع قوانين البلاد التي تحيل المتجاوز للمحاكم والتعامل معه على أن «البدون» مواطن حتى تثبت الدولة وبالأدلة الدامغة عكس ذلك، وأيضا يتناقض مع قوانين السماء التي لا تجيز أن يظلم إنسان بجريرة فعل إنسان آخر استنادا إلى قول الله سبحانه: «ولا تزر وازرة وزر أخرى». وما يلفت أن تعتمد اللجنة «الأنساب والأصول» منطلقا لوضع «القيد الأمني» في الكثير من الأحيان في وقت يشتهر أهل الكويت قاطبة بأنهم جاءوا من أصول مختلفة عراقية وإيرانية ونجدية وغيرها، وهذا ما يجعل المعيار الجديد الذي تبنته اللجنة التنفيذية يتناقض والاستقرار الأمني في الكويت، ويؤدي إلى حالة من الفوضى الاجتماعية. إضافة إلى ذلك سجلت بعض التقارير المتعلقة بحقوق الإنسان داخل وخارج الكويت وتصريحات الكثير من نواب مجلس الأمة بعض الملاحظات السلبية المتعلقة بطبيعة عمل اللجنة التنفيذية وهناك من فضح تورطها في تجاوزات صارخة طالت بعض كبار المسئولين فيها، ومنها: أولا: المعاملة السيئة الحاطة للكرامة والتعامل اللا إنساني للعاملين في مبنى اللجنة التنفيذية للمقيمين بصورة غير قانونية مع المراجعين من فئة «البدون»، ابتداء من اللغة غير المهذبة المستخدمة والتي تهدف إلى التحقير والاستخفاف، مرورا بوضع المراجعين في حالة الانتظار خارج المبنى ولساعات طويلة، وانتهاء بتعطيل معاملاتهم إلى أسابيع عدة بلا تبرير مقنع! إضافة إلى وضع الكثير من العراقيل التي تعقد متابعة المراجعين لملفاتهم منها - على سبيل المثال - دعوتهم عام 2004 وأيضا عام 2006 إلى إعادة عمل «البصمة الوراثية» التي يتطلب إجراؤها دفع مبالغ مالية كبيرة، إضافة إلى الانتظار لأسابيع عديدة للتحقق من النتيجة في وقت كانت تدعي اللجنة نفسها عام 2003 أنها قد أنجزت كافة الملفات المتعلقة بتلك الفئة بما فيها عمل البصمات! ثانيا: التورط في اتباع أساليب غير قانونية لإجبار فئة «البدون» على تعديل أوضاعهم، بصورة تؤدي إلى التنفيع المادي غير المستحق، أكد ذلك عضو مجلس الأمة الحالي الدكتور حسن جوهر حين قال في ندوة جامعية عن «البدون» أن: «هنالك حوالي 8 آلاف شخص عدلوا أوضاعهم واستخرجوا جنسيات أخرى، مثل سواحل أفريقيا وأميركا الوسطى وأوروبا وشرق آسيا، بقيمة 5 آلاف دينار لكل جواز سفر، وقيمة 8 آلاف جواز سفر يساوي 40 مليون دينار ذهبت لجيوب البعض ممن اتفق مع مكاتب وشركات تابعة لدول معينة». ويقول الدكتور جوهر ان: «هذه التجارة غير المشروعة هي التي يطمح أصحابها أن تستمر من دون حل للقضية من أجل المزيد من التكسب غير المشروع».
تاريخ النشر : 13 اكتوبر 2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق