
م.حمد العصيدانألقت الأزمة المالية العالمية الحادة، والكساد الذي تشهده كل أسواق وبورصات العالم خلال الآونة الأخيرة، بظلالها السيئة والسلبية على جميع فئات المجتمع المحلي والدولي، إلا أن هناك فئات معينة كان تأثرها بهذا الحدث الجلل أكثر من غيرها، وعلى رأس هؤلاء داخل الكويت فئة البدون وضياع قضيتهم، أو بالأحرى تناسيها لفترة من الزمن كالمعتاد كلما طفت على السطح مثل هذه الأحداث الدولية، أو حتى المحلية حيث إن حقوقهم والآمال التي راودتهم طويلا في أن يأتي الوقت الذي يتم فيه وضع حد لمعاناتهم والذي خيل إليهم، ولنا أيضا خلال الوعود الأخيرة التي قطعتها الأجهزة المعنية في الحكومة بهذه القضية والرغبات الرسمية والتصريحات التي أطلقها العديد من السياسيين والمسؤولين نيابيا وحكوميا وشعبيا بأن الأمور أصبحت مهيأة الآن لوضع حد لمعاناة هذه الفئة المغبونة وأن هناك خطوات بالفعل قد اتخذت من أجل ذلك.ومع اعتقاد «البدون» وغيرهم ممن يهتم بأمرهم وأمر هذا البلد بأن حل قضيتهم قد أصبح من أولويات العمل الحكومي، وأنها في سبيل إنهائها اعترضها وبلا مقدمات ما يشهده العالم حاليا من الصخب الاقتصادي والسياسي الذي يسود هذه الأيام في ظل مناداة جميع القوى بضرورة تأمين الأوضاع السوقية والمصرفية، حتى يتم تجاوز هذه الأزمة الطاحنة والتي لم يشهد العالم مثيلا لها منذ بدايات القرن الماضي حتى طغى الاهتمام بهذا كله على باقي الأمور الأخرى، والتي أشرنا إلى أهمها أمنيا وإنسانيا واجتماعيا قضية «البدون» بل إن ملامح تلك القضية يكاد يكون قد اختفى من جميع مظاهر الحياة السياسية والشعبية والرسمية تماما طوال الفترة السابقة، حتى أننا لم نقرأ تصريحا أو خبرا أو قرارا من قبل أي من المسؤولين الحكوميين أو من أعضاء مجلس الأمة الذين طالما كانوا يتشدقون بحرصهم على مصالح «البدون» وتبنيهم لقضيتهم أثناء حملاتهم الانتخابية والتي تبخرت هي الأخرى مع وصولهم إلى قاعة عبدالله السالم.إن هذا الوضع المأساوي الذي تعيشه فئة البدون أصبح كالمسلسل الذي لا يُعرف متى تكون آخر حلقاته، ولا نعرف حتى الآن ما هي الأسباب الحقيقية وراء امتداد هذه الأزمة طوال هذه السنين الطويلة دون أن يكون هناك دواء ناجع لحلها، وليست هذه بالمعضلة التي تجعل الحكومات المتعاقبة غير قادرة على وضع نهاية حاسمة لها سواء بالإيجاب أو السلب، حيث إن جل ما كانت ومازالت الحكومات المتعاقبة تفعله هو إطلاق الوعود والتصريحات دونما إجراء حقيقي وفعلي حتى تفاقمت المشكلة وازداد حجمها وتشعبت بشكل أصبح معه إيجاد حلول بسيطة أشبه بالمستحيلات، في حين أن الأمر في السابق وإلى الآن لم يكن ليحتاج سوى قرارات حاسمة وقاطعة من قبل المعنيين بأمن واستقرار الكويت والحريصين على سمعتها الطيبة أمام المؤسسات والمحافل الدولية خاصة تلك التي أطلقت الحملات المشبوهة والموجهة لتشويه سمعة الكويت والسعي لإلصاق التهم الكاذبة بها مستغلين بعض هذه القضايا الشائكة والأمور العالقة التي لم تتخذ فيها الحكومة قرارات قاطعة لسد الثغرات أمام مثل هذه الطعون المسمومة والتي نحن في غنى عنها.ومن جانب آخر، فإن قرارا كهذا من شأنه أن يضع حلا لهذه المشكلة ويفرج كرب الكثيرين من هذه الفئة الفاقدة الأمل في الحياة، فإن الاستفادة لن تكون مقتصرة فقط عليهم وإنما ستمتد بلا شك لتعود على الجميع وفي المقدمة الحكومة التي في حاجة ماسة لخبرات وطاقات النوابغ من أبناء هذه الفئة الذين وُلدوا وتربوا وعاشوا وتعلموا على أرض الكويت ولم تعرفوا أبدا وطنا آخر سوى الكويت، ويرغبون الآن في الانخراط داخل هذا المجتمع وتقديم كل ما لديهم من قدرات وطاقات عملية في مختلف مجالات الحياة كالطب والتدريس وغيرهما من الأمور الحيوية التي يحتاج إليها سوق العمل الكويتي لسد النقص في العديد من تلك المواقع العملية والتي نستقدم لسدها الكثيرين من بلاد أخرى مختلفين عنا في العادات والدين واللغة والطباع لينطبق عليهم قول أمير الشعراء أحمد شوقي:أحرام على بلابله الدوح ***** حلال للطير من كل جنسإلا أنه وكلما حانت الفرصة لانقشاع الغمة من أمام أعين «البدون» ويلمع في أعينهم بريق الأمل بأن مشكلتهم على وشك أن تحل وأن يحدد مصيرهم ومصير أبنائهم، يلوح في الأفق البعيد أو القريب ما يمحو ويبدد هذا الأمل من أمام أعينهم ويطفئ هذا البريق مجددا.وهذا ما شاهدناه وعايشناه أخيرا عندما بدأت أزمة الأسواق المالية تتفاقم وأخذت مؤشرات البورصة يختفي لونها الأخضر ويحل محله اللون الأحمر في حين أن بورصة «البدون» التي كان يقبل على شراء أسهمها أصحاب المصالح الانتخابية والمزايدات أو المساومات الحكومية لونها يختفي ولم يعد لها ملامح لا خضراء ولا حمراء، بعد أن جعلت المشكلة المالية صوتها لا يعلو فوقه صوت بل إن الجميع جعلها من أخطر الأزمات التي تواجه اقتصاد الكويت ومشاريعها التنموية، فانقلبت كفة «البدون» التي بدا لنا قبل فترة أنها أصبحت كفة راجحة، إلى كفة متأرجحة وخاسرة لا تجد من يسعى بجد ليدفع عنها هذه الخسارة، ويدفع بخطة إنقاذ سريعة وعاجلة لحلها والقضاء على مخاطرها المحتملة التي في تصوري لا تقل في خطورتها عن الأزمة المالية وتوابعها هذه الأيام، ولكن من أين لـ «البدون» بمثل من يجرؤ على تبني مثل هذه الخطة لنقول: ولا عزاء لـ «البدون»!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق