
عبد العزيز عبد الكريم الهندال
..
حرمان خديجة وأخواتها وإخوانها من إكمال تعليمهم وتهيئة فرص الرقي والتقدم هو بالواقع حرمان للكويت من قدرات وطاقات فعالة ومخلصة تجهد وتسعى بكل صدق لخدمة رقي بلدها الكويت. أشرت في مقالين سابقين إلى حق البدون في العيش بكرامة وبينت بصورة موجزة هذا الحق الذي أجمعت عليه الرسالات السماوية والقوانين والمواثيق الدولية والمحلية، كما تطرقت لحقهم في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة لكل فرد منهم وكيف أن المشرع الكويتي لم يعط المواطن الكويتي فقط الحق بالعلاج والحماية من الأوبئة كون الأمراض والأوبئة لا تفرق بين كويتي وغيره لا بل إن مسألة انتشار المرض قد تسبب كارثة وطنية أو ما هو أكثر من ذلك، واليوم أتناول حق المواطنين البدون بالتعليم، وهذا المسمى (المواطنون البدون) هو حق لهم لأنهم لم يستوطنوا ويعرفوا لهم بلدا غير بلدهم الكويت، أو على الأقل الأجيال الثلاثة أو الأربعة التي ولدت على هذه الأرض الطيبة منذ استقر أسلافهم عليها طبقا للسجلات الرسمية، وإن كانت هجرة غالبيتهم قد سبقت ذلك بسنين عديدة لكن سوء تطبيق قانون الجنسية لعام 1959 وقصر وسائل وطرق الإعلان عنه وكذلك عدم فهم البعض لقانون الجنسية من الأسباب التي أوجدت هذه الفئة من المجتمع التي تعرف بالبدون أو غير محددي الجنسية أو عديمي الجنسية، كما بين ذلك الدكتور سامي خليفة في دراسته القيمة عن البدون والتي نشرتها جريدتنا جريدة «الدار» قبل أيام،
..
لقد حث ديننا الحنيف على العلم والتعلم وأولى العلم والمعلمين والمتعلمين عناية خاصة ولعل أصدق وأجلى صورة لمكانة العلم في الإسلام أن أول آية نزلت على رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم هي {اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم} والآيات القرآنية والأحاديث النبوية أكثر من ان تحصى في هذا المجال، والمشرع الكويتي حرص على تضمين الدستور مادة صريحة وأساسية فكانت المادة 13 بأن (التعليم ركن أساسي لتقدم المجتمع، تكفله الدولة وترعاه) والمادة 14 أكدت رعاية الدولة للعلم (ترعى الدولة العلوم والآداب والفنون وتشجع البحث العلمي)، كما نصت المادة 40 على كفالة الدولة للتعليم، نعم لقد أعطى المشرع الكويتي العلم المكانة التي تليق به، كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد على حق كل شخص في التعلم فجاءت الفقرة الأولى من المادة 26 تبين هذا الحق (لكل شخص الحق في التعلم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسية على الأقل بالمجان، وأن يكون التعليم الأولي إلزاميا وينبغي أن يعمم التعليم الفني والمهني، وأن ييسر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة) وكذلك الميثاق العربي،
..
لكن الواقع على الأرض يرسم لنا صورة مغايرة، فالكويتيون البدون سلب منهم هذا الحق وأجبروا على اللجوء للقطاع الخاص لتعليم أبنائهم رغم أنهم لا يملكون دخلا ماليا ثابتا لأن غالبيتهم قد منعوا من العمل في الحكومة أو حتى بالقطاع الخاص، والتعليم في القطاع الخاص لا يرحم فإما الدفع وإما الحرمان والطرد أو حجز الشهادات، لا بل ان بعض المدارس إن لم يكن غالبيتها لا توفر وسائل تعليمية أساسية مناسبة من صفوف مريحة وكتب وحتى بعض المدرسين والمدرسات غير مؤهلين أو إنهم لا علاقة لهم بالتعليم أصلا، وهذا كله في مراحل التعليم الأساسي والذي من المفترض به أن يكون مجانيا طبقا للقوانين والمواثيق الدولية، أما التعليم الجامعي فلعل أحدث صورة يمكن نقلها هي مشكلة لا بل قل مأساة الطالبة المتفوقة خديجة عبدالمحسن طارش والتي حازت على المركز السادس عشر على الكويت هذا العام لكنها محرومة من إكمال تعليمها كونها كويتية بدون ووالدها لا يعمل في القطاع العسكري وقد نقل لنا الفاجعة قبل أيام الأخ العزيز عادل دشتي من خلال شقشقته التي يطل علينا بها بين الحين والآخر في جريدة «الدار»، فكيف لهذه الصورة أن تتناسب وسمعة الكويت الحضارية والإنسانية، إن حرمان خديجة وأخواتها وإخوانها من إكمال تعليمهم وتهيئة فرص الرقي والتقدم هو بالواقع حرمان للكويت من قدرات وطاقات فعالة ومخلصة تجهد وتسعى بكل صدق لخدمة رقي بلدها الكويت.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
..
Zash62@hotmail.com
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق