الأربعاء، 15 أكتوبر 2008

البدون».. في الكويت بين الحقوق المدنية والتجنيس




د. سامي ناصر خليفة ثالثا: التورط في ترشيح ملفات أفراد معينين للتجنيس من الذين لا تنطبق عليهم الشروط على حساب من تنطبق عليهم الشروط، بعد تدخل المحسوبيات والواسطات ودفع الرشاوى التي وصلت إلى 50 ألف دينار كويتي لكل ملف يترشح للتجنيس كما جاء في تصريحات الدكتور حسن جوهر أيضا! لذلك جاء طبيعيا أن تتوجه الكثير من المطالبات من نواب وكتاب ومحامين ونشطاء في مجال حقوق الإنسان باستقالة أعضاء اللجنة التنفيذية للمقيمين بصورة غير قانونية، تلك المطالبات التي أدت إلى استجابة وزير الداخلية إلى بعضها حين أعفى اللواء محمد السبيعي من منصب رئيس اللجنة، وأيضا حين طعم وزير الداخلية آنذاك الشيخ جابر المبارك اللجنة التنفيذية ببعض الكوادر المهنية المعروفة بحسن السيرة والسلوك كالشيخ نواف الأحمد الذي لم يستطع الاستمرار هو أيضا مع استمرار تردي الأوضاع في عمل اللجنة التنفيذية. تصحيح المعالجات الحكومية: ومع أهمية الفصل بين معالجة عدم قانونية إقامة فئة «البدون» في الكويت، وبين أهمية إنهاء الحكومة الفوري لأسلوبها المتبع في الضغط المدني من أجل كشف المنتمين منهم إلى جنسيات دول أخرى وحرمان تلك الفئة من الحقوق المدنية العامة، مع تلك الأهمية إلا أنني أحسب أن تبادر الحكومة عليها أن تبادر اليوم وبشكل فوري باتخاذ تدابير عاجلة لإنهاء معاناة كل إنسان يعيش على أرض الكويت تحت مسمى «بدون» وإعطائهم جميع حقوقهم المدنية كاملة غير منقوصة حالهم كحال أي إنسان آخر يعيش هذه الأرض ويتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات كما نص عليها دستور البلاد. وعلى الحكومة أن توقف فورا كافة أشكال القرارات التعسفية التي أصدرتها اللجنة التنفيذية، والتي أدت إلى حرمان فئة «البدون» من التعليم والتطبيب المجاني والمنع من العمل في القطاعين العام والتضييق عليهم في القطاع الخاص والسماح لهم بحق اقتناء بطاقة مدنية وهويات أخرى يوضع عليها مسمى لا يحط بالكرامة ولا ينقص من الشعور الوطني الذي تشربوه منذ ولادتهم على هذه الأرض وإلى يومنا هذا. وإعطاءهم أيضا حق استصدار رخص قيادة دون قيود قانونية ومضايقات سلوكية وتوثيق عقود الزواج والطلاق ودفن موتاهم وحق التنقل والسفر بحرية وبصورة متساوية مع بقية أفراد المجتمع. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يكون من الأهمية اليوم الاستجابة لمطالبات الكثير من شرائح المجتمع بإنهاء عمل اللجنة التنفيذية للمقيمين بصورة غير قانونية لما تحمل من سمعة سلبية تنهي أهم مقومات توفر عنصر الحيادية والموضوعية في التعاطي مع ملف فئة «البدون»، أو تغيير آلية العمل بها وتحويلها من لجنة أمنية جنائية إلى لجنة تضم مجموعة من الحقوقيين والأكاديميين والمحامين ورجال العلوم الدينية مشهود لهم بالكفاءة المهنية والخبرة والدراية الاجتماعية بحال تلك الفئة، كون قضية «البدون» تمثل مشكلة إنسانية واجتماعية وقانونية في الدرجة الأولى. أما حق التجنس أو (حق المواطنة) لتلك الفئة، فبالرغم من كونه أمرا سياديا يتعلق بالمصلحة العليا للبلد مما يجعله موضوعا غاية في الحساسية لمؤسسة الحكم، إلا أنه من المهم اليوم أن تتصدى السلطتان التشريعية والتنفيذية إلى تحمل مسؤوليتهما في معالجة جادة ووضع أسس جديدة تعتمد على فلسفة حكيمة للتجنيس يتم فيها مراعاة مصلحة الشعب الكويتي في مواكبة التطور التنموي الكبير الذي اجتاح العالم من جهة، وأهمية توفير مقومات الأمن الاجتماعي والاستقرار المجتمعي في البلاد من جهة أخرى. وأحسب أنه لن يتأتى ذلك، إلا من خلال الاستفادة من كفاءات وطاقات تلك الفئة وتأهيلها قدر الإمكان بدلا من الاعتماد على استقدام العمالة الخارجية، إضافة إلى تبني آلية تحفيزية يتم من خلالها ربط موضوع عمل تلك الفئة بمتطلبات خدمة البلاد في المجالات العامة مقابل تجنيسهم. ونظرا لتقارب طبيعة الحياة الاجتماعية والتركيبة السكانية بين دول مجلس التعاون الخليجي، يصبح من الأهمية النظر إلى تجارب الدول المجاورة التي تعاني من نفس المشكلة والاستفادة من طرق الحل التي اتبعتها، فالسعودية على سبيل المثال بدأت بتسمية فئة البدون لديها بحملة «البطاقة»، وهو مصطلح أكثر واقعية وإنسانية من مصطلح «البدون» أو «عديم الجنسية» أو «المقيم بصورة غير قانونية» وفيه تفاديا لإحراج أو عزل اجتماعي لهذه الفئة عن بقية مكونات المجتمع. ثم سارعت المملكة إلى تعديل المواد 9 و12 و14 و16 و17 و21 و26 و27 من نظام الجنسية السعودية بالإدارة الملكية رقم 5604/20/8 وبتاريخ 22/2/1374هـ، وضعت بموجبه تعديلات على اللائحة التنفيذية لنظام الجنسية، هذه اللائحة أعطت لبعض الاعتبارات المهنية والسلوكية والتاريخية نقاطا معينة تمكّن أي مقيم أو «بدون» أو «حامل بطاقة» الحصول على الجنسية السعودية في حال حصل على 23 نقطة كحد أقل من أصل 33 نقطة هي مجموع النقاط. فمثلا إثبات إقامة لمدة 10 سنوات في المملكة تعطي «البدون» 10 نقاط، وحصوله على دكتوراه في الطب أو الهندسة تعطيه 13 نقطة أخرى، وحصوله على الماجستير تعطيه 10 نقاط أخرى أيضا، وهكذا حدّدت بقية الاعتبارات المهنية والعلمية الأخرى بعدد من النقاط، إضافة إلى حصولهم على نقاط إضافية أخرى تتعلق بالروابط الأسرية في حال تم إثبات قرابة أو نسب لمواطنين سعوديين. وتكون المملكة من خلال هذا النظام قد تجاوزت معضلة كبيرة بطريقة يغلب عليها طابع الرقي والإنسانية، وفيها اعتبارات إيجابية من شأنها خدمة المصلحة الوطنية من خلال السعي للاستفادة من الكفاءات والخبرات والطاقات المبدعة، وأيضا الدفع باتجاه تماسك أكثر للنسيج الاجتماعي السعودي. ودولة الإمارات العربية على سبيل المثال أيضا، قد واجهت مشكلة ازدياد أعداد فئة «البدون» عبر تشكيل لجنة استطاعت في فترة قياسية هي 4 أشهر فقط أن تحسم المشكلة من خلال تجنيس كل من أثبت إقامته قبل عام 1971م، واستمر في الإقامة الدائمة منذ تلك الفترة وإلى يوم المعالجة، حيث وصل عددهم 10 آلاف شخص، وبذلك تكون الإمارات قد أنهت الأزمة دون أن تتراكم إفرازاتها الاجتماعية وأعباؤها الاقتصادية وتبعاتها الأمنية وحتى آثارها السياسية. وفي مقارنة بين اللجنة الإماراتية واللجنة الكويتية اللتين كلفتا بدراسة أوضاع فئة «البدون» كل في بلده، وجهت المحامية فوزية سالم الصباح رسالة إلى رئيس الوزراء الكويتي الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح عبر صحيفة الرأي العام الكويتية بتاريخ 27/10/2006 حيث قارنت بين عمل اللجنتين قائلة: ((إن التمعن في القرار الإماراتي ومقارنته بظروف «البدون» في الكويت يجعلنا نخرج بالآتي: 1. لجنتهم شكلت في شهر إبريل الماضي وأنهت عملها باقتدار خلال زمن قياسي، ونحن لجنة البدون لدينا تأسست منذ 14 عاما ولم تنه أعمالها. 2. بدون الإمارات غالبيتهم من الأصول الآسيوية أي هنود وباكستانيون وغيرهم من إيران وزنجبار، أما البدون عندنا فهم من قبائل عربية عريقة لها مكانتها وأصالتها وهي مندمجة مع المجتمع لأنها جزء منه، ومع ذلك حرمناهم من أبسط حقوقهم واتهمنا من يؤيد تجنيسهم بأنه يسعى إلى تشويه التركيبة الاجتماعية رغم أن هؤلاء الأصيلين يشرّفون المجتمع ولا يشوّهونه. 3. دولة الإمارات اشترطت وجودهم قبل عام 1971، بينما البدون لدينا نسبة كبيرة منهم لديه مستندات رسمية قبل الأربعينات من القرن الماضي وهم في الصحراء الكويتية قبل ذلك التاريخ بكثير.4. يترأس فرز الملفات وإعدادها في الإمارات مدير إدارة، أما نحن فأنشأنا لجانا في الداخلية يترأسها وكلاء ومديرون حتى تشعبت القضية ولم نعد نعرف متى يصدر قرار الحسم ولا متى تطوى هذه الصفحة إلى الأبد.)) تلك الرسالة كانت بمنزلة صوت الكثير من أبناء الشعب الكويتي الذين يتعاطفون مع مشكلة فئة «البدون» ويناشدون الحكومة التحرك سريعا لحل المشكلة، لذا أحسب أن الكويت معنية اليوم بدراسة تلك الخطوتين السعودية والإماراتية بجدية وبحث سبل تطبيقها في الكويت ابتداء من تغيير مسمى هذه الفئة، ومرورا بتشجيعها عبر تقديم الحوافز العلمية والمهنية، وانتهاء بتجنيس أبنائها. أما فيما يتعلق بالتجنيس تحت بند «الخدمات الجليلة»، فهناك خلل منطقي في فهم الحكومة للحكمة من التجنيس، حيث لم تحدد تعريفا واضحا يشمل كل من يخدم هذا البلد في مجال عمله، فمن عمل من البدون في السلك العسكري - على سبيل المثال - لا يمكن نزع صفة الخدمة الجليلة للوطن من روح عمله الذي التزم به، وبالتالي فإن الحكومة معنية بتوسيع مفهومها لتعريف مصطلح «الخدمات الجليلة» ليشمل كل من عمل في هذا الوطن وأعطى من وقته وبذل من جهده وصرف من طاقته في سبيل المساهمة بتحقيق التنمية. فالنص القانوني أشار إلى فئة «البدون» على أنهم «مجهولو الجنسية»، ووفقا للقانون الدولي بأن الجنسية هي علاقة بين الفرد والدولة، وعليه إذا صنفت اللجنة التنفيذية بعض الأشخاص من فئة «البدون» على أنهم عراقيون أو سوريون أو سعوديون أو غير ذلك، فيجب عليها أن تأتي بالأدلة القانونية والشرعية وبشفافية كاملة. وفي حال لم تستطع اللجنة الحصول على الأدلة فإنهم - وحسب القانون الدولي - تنطبق عليهم مصطلح «مجهولي الجنسية»، ويصطلح على أبنائهم مصطلح «مواطن كويتي بصفة أصلية» وفقا للمادة الثالثة لسنة 1959م. فالحكومة الكويتية اليوم وبالتعاون الكامل مع السلطة التشريعية بحاجة ماسة إلى وضع آلية وطنية إنسانية تعيد للكويت وجهها الحضاري والإنساني على المستويين الإقليمي والدولي، عبر اتخاذ خطوتين هما: الأولى: الإفراج عن آلاف الملفات المرشحة للتجنيس والتي مازال مجلس الوزراء يتلكأ في طلبها والبت فيها، إضافة إلى تجنيس كافة الشرائح التي ينطبق عليها مفهوم الولاء للوطن بالصورة التي يعرّفها قانون التجنيس تحت بند «الخدمات الجليلة»، وهي الفئة التي شاركت في الحروب العربية ضد إسرائيل في 1967 و1973، وحرب تحرير الكويت 1991، إضافة إلى أبناء الشهداء والأسرى والمرتهنين وأبناء الكويتيات من فئة «البدون»، وأيضا إضافة من حصل منهم على الشهادة الجامعية وما فوق. الثانية: إصدار قرار تجنيس كل من ينتمي إلى فئة «البدون» وإن تطلب الأمر تعديل قانون الجنسية، كونهم يمثلون جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الكويتي، فقد تم تعديل قانون الجنسية أكثر من 8 مرات على مدى العقود الأربعة الماضية، فما الضير من أن يتم تعديله مرة أخرى ليتناسب والمصلحة العامة للكويت، تلك المصلحة التي تقتضي تجنيس كل من يثبت تواجده قبل عام 1965 أو لديه أقارب كويتيون من الدرجة الأولى أو أقام في البلاد أكثر من 40 عاما أو عمل في القطاع العسكري أو المدني 20 عاما. ويمكن النظر بعين المصلحة الاستراتيجية العليا في حال تم تجنيس فئة «البدون» حيث ستجني البلاد الكثير من الإيجابيات على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية وغيرها، وسيكون منح حق المواطنة مدخلا لمعالجة الاختلال في التركيبة السكانية التي تعاني منها الكويت مع ملاحظة أن الكويتيين لا يشكلون نسبتهم في بلدهم أكثر من 34 % فقط حسب إحصاء 2005، وأيضا سيخفف من ارتفاع الجريمة والانحراف السلوكي الناتج عن الحاجة وسيقلل من نسبة الفقر المنتشر في المجتمع وسيرفع حالة الكبت والإحباط والاضطرار التي تعتبر من أهم معولات هدم الاجتماعي وأهم معرقلات التنمية المجتمعية. وسيعالج منح الجنسية لتلك الفئة مشاكل التمييز والتفرقة في الحقوق والواجبات بين فئات المجتمع الكويتي، وسيعالج إسقاطات التفكك الأسري الناتجة عن زواج الكويتية من «البدون»، وسيدفع بعجلة التنمية الاقتصادية إلى الأمام حيث ستدور حركتهم المالية في داخل الكويت في وقت يساهم الوافد في استنزاف العملة الصعبة بمبالغ كبيرة جدا سنويا. إن لكل إنسان حقا شرعيا وفطريا وأخلاقيا بالانتماء إلى الأرض التي ولد وترعرع فيها وضحى بسنين عمره في المساهمة ببنائها وتعميرها وتطويرها، وهاهي فئة «البدون» اليوم أنتجت جيلها الرابع لتؤسس مجتمعا شبابيا في أغلبه ولد في الكويت ولا يعرف غير تلك الأرض موطنا ينتمي لها، ولا يمكن أن تتبنى الحكومة الكويتية أية معالجة بمنأى عن تلك الحقيقة الفطرية! براءة
وسام تحرير الكويت

ليست هناك تعليقات: