الاثنين، 13 أكتوبر 2008

«البدون».. في الكويت بين الحقوق المدنية والتجنيس





تعتبر قضية غير محددي الجنسية أو عديمي الجنسية أو ما اصطلح على تسميتها بـ«البدون» من أكبر التحديات التي تواجه المجتمع الكويتي على الأصعدة الاجتماعية والأمنية والاقتصادية لفترة زمنية امتدت إلى أكثر من أربعة عقود، كونها تمثل شريحة كبيرة يزيد عددها على 10 في المئة من عدد المواطنين في البلاد. وما يزيد تفاقم المشكلة هو طبيعة تعامل الحكومة معها، ابتداء بتغيير شبه دوري لتسمية هذه الفئة بما يتوافق وتغيير مواقفها، مرورا بحرمان تلك الفئة من الحقوق المدنية الطبيعية خلافا لبعض مواد الدستور التي تكفل حقوق كل من يعيش على أرض الكويت، وانتهاء بعزلهم عن النسيج الكويتي ورفض تجنيسهم تناقضا مع قانون الجنسية الكويتية. ولمزيد من التوضيح لابد من الرجوع إلى التاريخ السياسي للكويت، واستقراء الماضي بعين ثاقبة ونظرة موضوعية، فلم يزد عمر الكويت الحديث كمنطقة مأهولة بالسكان عن مائتي سنة، وعمرها ككيان سياسي عن المائة سنة تقريبا، حيث يتشكل الشعب الكويتي من خليط من قوميات متعددة وأعراق مختلفة نزحت إلى هذه المنطقة من المناطق المجاورة في الجزيرة العربية والعراق وإيران والشام وبعض الأقليات من مناطق أخرى. أما فئة عديمي الجنسية أو ما اصطلح عرفا على تسميتهم بـ«البدون»، فهم فئة لا يمكن فصلها عن النسيج الاجتماعي لسكان الكويت كونهم ينتمون إلى نفس الأعراق والقوميات التي جاءت منها أغلبية المواطنين. وأكثرية «البدون» هم من أبناء البادية الرحل من قبائل المناطق الواقعة بين شمال الجزيرة العربية وجنوب العراق وتحديدا الذين استقر بهم المقام في الكويت بعد ظهور الحدود السياسية بين دول المنطقة، يضاف إليهم أعداد من النازحين من الشاطئ الشرقي للخليج من عرب وعجم بلاد إيران. وقد بدأت هذه الفئة بالظهور عام 1959م عندما صدر قانون الجنسية لأول مرة في الكويت، وبرزت إلى السطح بشكل واضح بعد استقلال الكويت عام 1961م، حيث لم يعالج المشرع القانوني أمر من طالب بالجنسية الكويتية بعد هذا التاريخ إلى أن تفاقم عددهم ليقدر ما بين 220 ألفا إلى 250 ألف نسمة قبل الغزو العراقي للكويت 1990م (وهو رقم يزيد عن ثلث تعداد الكويتيين في ذلك الوقت)، ثم تقلص هذا العدد بعيد تحرير الكويت من الغزو العراقي عام 1991 ليصبح عددهم أقل من 120 ألفا - حسب الإحصاءات الرسمية - (أي عُشر تعداد الكويتيين آنذاك)، بسبب سياستي الضغط المدني والتهجير القسري التي اتبعتهما الحكومة في حق هذه الفئة كحل يمكن أن يخفف من حجم المشكلة، مما أوجد شريحة كبيرة من أبناء هذه الفئة ممن لجأت إلى بعض الدول العربية والأجنبية سعيا وراء الاستقرار المعيشي بينما لا تزال تلك الشريحة تشعر بانتمائها الروحي والفطري لبلدها الكويت ومازالت أيضا تحمل أمل العودة يوما ما في المستقبل القريب. وتدعي الحكومة أن عدد المسجلين في لجان الدولة مع عام 2004 لم يتجاوز 80 ألف شخص من فئة «البدون» حسب تقرير اللجنة المكلفة بدراسة أوضاع غير محددي الجنسية المنبثقة عن مجلس الوزراء آنذاك، بينما تعتقد مصادر غير رسمية أن العدد يزيد عن 92 ألف شخص حسب تقرير الخارجية الأميركية عام 2004. وقد كانت الحكومة في العقود الثلاثة الأولى من المشكلة وحتى عام 1985، تتعامل بإيجابية مع هذه الفئة، حيث تتعامل معهم في مجالي الحقوق المدنية والواجبات الوطنية كبقية المواطنين، وذلك لحاجتها إلى جهودهم في خدمة البلاد، خصوصا في وزارتي الداخلية والدفاع من جانب، ولعدم ظهور توجّسات أمنية يمكن أن تهدد أمن واستقرار البلد من جانب آخر. فقد كانت تقبل توظيفهم في مختلف وزارات الدولة ومؤسساتها العامة والخاصة، حيث كانوا يشكلون نسبة كبيرة جدا من العاملين من أفراد السلك العسكري. وكان التعليم لهم ولأبنائهم في المدارس الحكومية مجانيا حالهم كحال بقية المواطنين، ولم ترفض الحكومة سد احتياجاتها في قطاعات العمل الحكومي من مخرجات تعليم تلك الفئة، بل من كان يحصل من فئة «البدون» على شهادة الثانوية العامة في فترة الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي تمنحه الدولة مباشرة الجنسية الكويتية تحت بند «الخدمات الجليلة». ولكن - ومع مرور الوقت – ولأسباب اقتصادية وسياسية وأمنية سيتم التطرق إليها لاحقا، قرّرت الحكومة تغيير نظرتها تجاه فئة «البدون» شيئا فشيئا، وعملت على إعادة النظر في سياستها السابقة الداعية إلى مساواة «البدون» بالمواطنين فيما يتعلق بالحقوق المدنية، فبدأت في منتصف الثمانينيات حيث الحرب العراقية – الإيرانية بتغيير الأسلوب الإيجابي في التعامل واستبداله بأسلوب استخدمت فيه الشدة مع طلبات التجنيس لتلك الفئة، واستمر الأمر حتى التسعينيات، تطور بعدها إلى أن قررت الحكومة استخدام سياسة الضغط المدني على تلك الشريحة وحرمانهم من أبسط حقوق الإنسان الفطرية كوسيلة لإجبارها على ترك البلاد. وإلى تاريخ كتابة هذه الدراسة فإن فئة «البدون» لا تزال تعاني حرمانا من حقوقها المدنية العامة التي يتمتع بها المواطنون والوافدون على حد سواء، فلا تعطيهم الحكومة هوية تعريف أو بطاقة مدنية، ولا تأذن لهم العمل بالقطاع العام، وصادرت حق التطبيب والتعليم المجاني، بل رفضت أن تصدر أية وثائق للزواج أو الطلاق أو شهادات الميلاد أو الوفاة أو حتى إجازة قيادة مركبة، ولا غيرها من الحقوق المدنية الأساسية الأخرى والموثقة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. بداية المشكلة صدر قانون الجنسية في عام 1959، وبالرغم من أن الحكومة قد وضعت إثبات الإقامة في الكويت منذ عام 1920 وما قبل معيارا أساسيا لمنح الجنسية، إلا أنها عادت وقبلت تجنيس عدد كبير من المواطنين الذين استطاعوا إثبات إقامتهم في الكويت فترة الثلاثينات أو الأربعينات، أو حتى بداية الخمسينات من القرن الماضي، أما فئة «البدون»، فهم الذين أخفقوا في إثبات الإقامة في الكويت آنذاك، وذلك لأسباب كثيرة يمكن أن نوجز أهمها بالآتي: 1. قصر الفترة التي حددتها الحكومة للإعلان عن التقدم إلى طلب الجنسية الكويتية، في وقت لم يواكب هذا الإعلان أية حملة إعلامية أو إبلاغية كبيرة لتوعية سكان الكويت بأهمية حصول المواطن آنذاك على الجنسية الكويتية، خصوصا في أوساط السكان المقيمين خارج المدينة ما بعد عام 1959م، مع ملاحظة أن أغلبهم كان يعاني من صعوبة التواصل مع برامج الحكومة في ظل غياب المركزية الرسمية آنذاك. 2. قصر فترة عمل اللجان التي كلفت بإجراء اللقاءات مع المتقدمين بطلب الحصول على الجنسية في ذلك الوقت، وتسبب الأمر في أن من تأخر لم يحصل عليها. 3. اعتبار الإقامة في الكويت بين عامي 1920 و1950 شرطا للحصول على الجنسية بمختلف درجاتها، مما منع الكثير من سكان الكويت آنذاك من الحصول عليها، خصوصا وأنه لم تكن هناك أي إحصاءات رسمية قبل عام 1950 يمكن الاستناد إليها لضمان تجنيس جميع من يستحقونها، ولم تكلف الحكومة نفسها البحث في من تنطبق عليهم الشروط التي وضعت، بل كانت تنتظر ممن يسمع بإعلان التجنيس أن يتقدم إليها. 4. تأثير العوامل القبلية والطائفية والقناعات الشخصية على سلوك أعضاء اللجان التي كلفتها الحكومة بالنظر في طلبات التجنيس، الأمر الذي ضيع حقوق الكثير من المقيمين في البلاد منذ عقود طويلة من الزمن. فقد لعبت «المحسوبية» دورا كبيرا في قبول طلبات تجنيس أشخاص ورفض آخرين تنطبق عليهم نفس المعايير العرفية التي وضعوها آنذاك، خصوصا وأن سكان الكويت كانوا يشكلون أطيافا مختلفة وأعراقا متعددة وقبائل متنوعة وقوميات جاءت من مشارب مختلفة. 5. الأمية المنتشرة في أوساط أغلب سكان الكويت من القاطنين خارج مدينة الكويت آنذاك، والتي ساهمت بفاعلية في التأثير السلبي على استيعاب الناس لأهمية الحصول على الجنسية الكويتية، مع ملاحظة أن سياسة الحكومة في التجنيس آنذاك لم تكن مرتبطة بأية امتيازات مدنية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية يمكن لها أن تشكل عامل جذب لمن يريد الحصول عليها، جاء ذلك قبل أن تمر الكويت بفترة انتقالية تخرج خلالها من المجتمع البدائي القبلي إلى مجتمع المؤسسات الدستورية والنظام السياسي المدني، يساعد في ذلك المداخيل الهائلة التي صبّت على خزينة الدولة من بيع النفط واستثمار عائداته والتي أعطت أهمية كبيرة وامتيازا نوعيا للمواطنين الكويتيين في بلدهم. 6. تباطؤ الحكومة طيلة فترتي الستينات والسبعينات وعدم اهتمامها بإيجاد حل مبكر للمشكلة منذ البداية، الأمر الذي أدى إلى تفاقمها لتصبح مع مرور الوقت معضلة يصعب حلها كما هي عليها الآن. وقد يكون هذا التباطؤ الذي رافقته وعود غير مباشرة بحل جذري للمشكلة هو السبب الأساس وراء إلغاء العديد من الوافدين لهوياتهم العربية والأجنبية وادعاءهم بالانتماء لفئة «البدون» أو «عديمي الجنسية» أملا في الحصول على الجنسية الكويتية يوما ما، أو الحصول على الامتيازات المدنية التي كانت تحصل عليها فئة «البدون» حاله حال بقية المواطنين، مما دفع بالمشكلة إلى المزيد من التعقيد. 7. وأخيرا وليس آخرا، اعتبار الحكومة موضوع «التجنيس» أمرا سياديا يحول دون قبول أي متضرر اللجوء إلى المحاكم لبحث قضيته، مما سد الباب أمام جميع من حرموا منها إلى اللجوء إلى القضاء الكويتي منذ عقود طويلة وإلى يومنا هذا.
طموحات «بدون»
تاريخ النشر : 09 اكتوبر 2008

ليست هناك تعليقات: