الثلاثاء، 14 أكتوبر 2008

الحملة الوطنية لإقرار قانون الحقوق القانونية والمدنية لغير محددي الجنسية






الحملة الوطنية لإقرار قانون الحقوق القانونية والمدنية لغير محددي الجنسية «البدون».. في الكويت بين الحقوق المدنية والتجنيس د. سامي ناصر خليفة يعد عودة الحياة الطبيعية إلى الكويت، شكلت وزارة الداخلية لجنة خاصة لبحث مدى انطباق قانون الإقامة الصادر بمرسوم أميري عام 1959 على فئة «البدون» سمتها «اللجنة المركزية للمقيمين بصورة غير قانونية»، خاصة أن قانون الإقامة لا ينطبق على فئة «البدون» حيث استثنت الفقرة «د» من المادة 25 أفراد العشائر الذين يدخلون الكويت برا من الجهات التي تعودوها لقضاء أشغالهم المعتادة، مع ملاحظة أن غالبية «البدون» في الكويت هم من المنتمين إلى العشائر العربية المقصودين بالمادة، وتلك الملاحظة تؤكدها الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في هذا الخصوص منذ بدايات الستينيات، حين غضت البصر عن إقامة «البدون» باعتبارها إقامة مشروعة ولم تطلب من أي منهم الحصول على تصريح بالإقامة طبقا للقانون، وعزا وزير الداخلية هذه الإجراءات في تصريح له في إحدى الصحف المحلية (السياسة – 25/1/1983م) ذلك الاستثناء إلى عوامل إنسانية واجتماعية. كما أنه خلال العقود الخمسة الماضية، قامت الحكومة بالإعلان عن فتح لجان للتجنيس أكثر من مرة، وجاءت تلك اللجان على ثلاثة أنواع هي: 1. لجان عمل مهمتها دراسة طلبات منح الجنسية الكويتية التي تشكلت في منتصف الستينيات، حيث منحت تلك اللجان الجنسية لعدد قليل جدا من الأفراد. 2. لجان عمل مهمتها استقبال طلبات بمنح الجنسية الكويتية لدراستها، وهذه لجان فتحت أكثر من مرة منذ منتصف الستينيات وحتى مطلع الثمانينيات، ولكنها في كل مرة كانت تدعو الناس لتسجيل أسمائهم، ثم تقوم بإغلاق باب التسجيل دون إعطاء أية إيضاحات. 3. لجان عمل مهمتها وضع خطط وقرارات للضغط على فئة «البدون» بهدف إجبار أكبر عدد منهم للهجرة القسرية، وقد تشكلت تلك اللجان في الفترة ما بعد تحرير الكويت عام 1992م، منها: اللجنة المركزية لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية التي تأسست عام 1993، واللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية التي تأسست عام 1996 ومازالت قائمة إلى تاريخ كتابة هذه الدراسة. وينظر الكثير من المنتسبين لفئة «البدون» إلى هذه اللجنة الأخيرة بتوجس وريبة، متهمين إياها بأنها فاقدة للقانونية ولا علاقة لمسماها بقضية «البدون»، باعتبار أنه لا يوجد أي قرار حكومي يصنف تلك الفئة بأنها من المقيمين بصورة غير قانونية، فالمقيم بصورة غير قانونية هو ذلك الإنسان الذي يدخل بلدا ما ولا يعلن عن وجوده في ذلك البلد، بينما الأكثرية الساحقة من «البدون» مولودون في مستشفيات الكويت ومسجلون رسميا في سجلاتها، وهناك الكثير منهم من لديه إحصاء عام 1965 لتعداد السكان، وهو اعتبار قانوني مهم يثبت إقامة تلك الشريحة في الكويت منذ فترة الستينات. وبالرغم من أن فئة البدون قد ساهمت بفاعلية في خدمة الكويت أثناء الغزو العراقي 1990، حيث كان يخدم الآلاف منهم في الجيش الكويتي المرابط على الحدود لتحرير الأرض، فكان منهم المقاوم والأسير والشهيد، إلا أن ذلك لم يشفع لهم الإقامة في الكويت، ولم تكف معاناتهم دليلا لإثبات وطنيتهم وولائهم لهذا البلد الكريم، حيث ما زال الكثير منهم مقيما بصورة غير قانونية، بل زادت الحكومة من ضغوطها على فئة «البدون»، حيث وجدت فيما سمي بـ «الجيش الشعبي» الموالي للنظام العراقي آنذاك حلا ذهبيا لتقليص عددهم المتزايد، فتم تسفير عشرات الآلاف منهم بعد تحرير الكويت مباشرة 1991 تحت ذريعة الانتساب للجيش الشعبي بلا محاكمات ودون الاستناد إلى أدلة شرعية أو مواد قانونية. وأصبحت مسألة الجنسية والتجنيس في الكويت قضية غاية في الحساسية إذ تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والمذهبية، إضافة إلى الموروث الثقافي للحكومات الذي يعتمد مبدأ «الولاء» شرطا للجنسية، وكذلك الاعتبارات الأمنية والتحالفات السياسية بين دول الخليج نفسها. كما انتهزت الحكومة ظروف الغزو العراقي للكويت لتعيد تقييم طلبات تجنيس تلك الفئة وتغربلها ضمن معيار «الولاء» للكويت وهو مفهوم «مطاطي» يمكن تأويله، فوضعت قيودا أمنية على ملفات الكثير من أسر تلك الفئة تحول دون استطاعتهم الحصول على فرصة النظر في تعديل أوضاعهم القانونية من جانب، وأصدرت مجموعة من القرارات التعسفية التي تمنع فئة «البدون» من الحصول على الحقوق المدنية من جانب آخر. وتشمل تلك القرارات حرمان فئة «البدون» من حق السفر الحر، حيث لا يسمح لهم باقتناء وثيقة سفر إلا في حالات نادرة تقتضيها «المصلحة»، حينها يمنح جواز سفر خاص صالح لسفرة واحدة استنادا إلى المادة 17 أو يمنح تذكرة مرور فقط. وتشمل أيضا حرمان فئة «البدون» من حق العمل، فلا يسمح لهم بالتوظيف في القطاع الحكومي ناهيك عن وضع الكثير من العراقيل التي تحول دون استطاعتهم العمل في القطاع الخاص. وبالرغم من أن التعليم في الكويت يعتبر مجانيا للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 15 عاما وفقا لقانون التعليم الإلزامي لعام 1967، وبالرغم من انضمام الكويت إلى بعض الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان كاتفاقية حقوق الطفل الصادرة بالمرسوم الأميري رقم 104 لعام 1991 وتحديدا في المادة 28 بجعل «التعليم الابتدائي إلزاميا ومتاحا للجميع»، وكذلك انضمامها للعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر بقانون رقم 11 لعام 1996 والذي أوجبت مادته الثالثة عشرة «بجعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومتاحا للجميع ، وأيضا قبول الكويت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، حيث تنص المادة 6 منه على أن: «لكل شخص الحق في التعليم، وأن يكون التعليم مجانيا وبالإلزام». بالرغم من كل ذلك، فإن فئة «البدون» مستثناة من القرار الحكومي، إذ تعاني الحرمان من حق التعليم المجاني حتى قبل 2005 في وقت لا يستطيع أغلبهم تغطية التكلفة الدراسية الباهظة الثمن، كما لا يسمح لأبنائهم بالدراسة في المدارس الحكومية أسوة ببقية المواطنين، الأمر الذي أدى إلى تفشي الأمّية بين آلاف الأطفال من فئة «البدون»، خصوصا وأن الكثير من الأسر المعيلة لهؤلاء الأطفال باتوا غير قادرين على دفع تكاليف التعليم الخاص. وتشمل أيضا حرمانهم من حق الملكية، فلا تسجل بأسمائهم العقارات ولا الشركات ولا سيارات القيادة ولا غيرها من وسائل الاقتناء العامة التي يتمتع بها كل المواطنين والوافدين في البلاد. وتشمل تلك القرارات حرمان فئة «البدون» من حق توثيق الزواج والطلاق الشرعيين، فلا توثق المحاكم عقود زواجهم، وإذا تزوج أحدهم دون أن توثق المحكمة فسيحاكم كمرتكب جريمة زنا! وتشمل أيضا حرمانهم من حق العلاج المجاني الذي تكفله الدولة للمواطنين، وعلى المريض من فئة «البدون» أن يدفع خمسة دنانير للمستوصف أو عشرة دنانير للمستشفى ليشخص الطبيب مرضه ويستصدر له وصفة طبية، كما يتحمل تكاليف العلاج الباهظة والتي تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف دينار لعملية ولادة على سبيل المثال. وتشمل قرارات اللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية حرمان مواليد فئة «البدون» من حق الحصول على شهادة ميلاد، وأيضا لا يحق لهم الحصول على شهادة وفاة. وأيضا ترفض منحهم رخص قيادة السيارات، ومن كان منهم يحمل رخصة قيادة فإنه يعاني كثيرا في تجديدها. وهنا تجدر ملاحظة أنه وبالرغم من أن القرارات الداعية إلى حرمان تلك الفئة من حقوقها المدنية والمخالفة بعضها لمقررات المنظمات الدولية وحقوق الإنسان التي وقعت عليهما الحكومة الكويتية، إلا أن اللجنة تتبع أسلوبا تعسفيا في تطبيق تلك القرارات، إلى درجة باتت اللجنة تمثل شغل فئة «البدون» الشاغل كون مصيرها مرتبطا بشكل كامل بما توصي به اللجنة التنفيذية. ويشتكي الكثير من المنتسبين لفئة «البدون» من استخدام أعضاء اللجنة التنفيذية لصلاحياتهم الكبيرة ليمارسوا ضغوطا «ترهيبية» عبر تهديدهم بوضع القيود الأمنية على ملفاتهم بحيث يحرموا من فرصة الإقامة في الكويت، وضغوطا أخرى «ترغيبية» عبر تشجيعهم لشراء جوازات سفر دول أخرى ليتمكنوا من الحصول على امتيازات فئة الوافدين، وتلك ممارسات تخالف صراحة نص دستور الكويت الذي دعا إلى احترام الإنسان وعدم ابتزازه. ووضعت اللجنة المركزية للمقيمين بصورة غير قانونية في عام 1996 بعض المواصفات التي بموجبها يمكن فرز ملفات المسجلين من فئة «البدون» للحصول على الجنسية الكويتية أهمها إحصاء عام 1965 وإثبات مقابلة لجان الجنسية له بداية الستينات، أو وجود أقارب كويتيين من الدرجة الأولى له، أو إثبات الإقامة الدائمة والدراسة والعمل في الكويت، ويتضح بأن تلك الشروط تنطبق في أحسن حالاتها على 20 في المئة من شريحة «البدون» الحالية، وبالتالي وحتى إن تم تطبيقها وتنفيذ نتائجها مباشرة فإنها ستمثل حلا جزئيا فقط. وعودة إلى مفهوم «الولاء» الذي اتخذته الحكومة سبيلا للتشكيك في وطنية الكثير من أبناء هذه الفئة، فقد أصبح المعيار الأهم لقياس مدى احترام أي نظام سياسي للديمقراطية هو مدى تكريسه لمفهوم المواطنة Citizenship الذي يعني بصورة مباشرة أن يكون الناس متساوين في الحقوق والواجبات ضمن نظام وقانون يوفر العدالة والمساواة بين الجميع، وتعميق النظام السياسي لدور مؤسسات المجتمع المدني كالأحزاب والقوى السياسية والنقابات والاتحادات وجمعيات النفع العام وغيرها من الأصرحة الوسيطة بين الجمهور والنظام، تلك المؤسسات التي من شأنها إلغاء التشكيلات القديمة المبنيّة على أسس أثنية وعرقية وطائفية وقبلية وفئوية وعنصرية وغير ذلك من الإفرازات السلبية للمجتمعات. وقد منحت في العقدين الماضيين الجنسية الكويتية لبعض المطربات والمطربين تحت بند «الخدمات الجليلة» في وقت مازالت أسر شهداء الوطن والواجب تنتظر دورها في قائمة التجنيس، كما أعطيت الجنسية تحت نفس البند إلى بعض الفنانين والفنانات في قطاع التمثيل في وقت مازال ينتظر بعض أبناء الأسرى والمرتهنين الذين غيبتهم السجون العراقية في فترة ما بعد الغزو العراقي للكويت، وتلك مفارقة تعكس حالة من الانتقائية التي لا تستند إلى معايير وطنية سليمة، وتجعل من استخدام تلك الصلاحية من قبل وزير الداخلية موضع شك وريبة وعدم ارتياح فئة «البدون»، ناهيك عن كونها تؤصل لحالة لا دستورية تقتضي إسناد الحل لجهات تتوفر فيها صفة التخصص والحيادية ولا تتعامل مع هذا الملف الغاية في الحساسية بروح الحس الأمني أو السياسي. أما اليوم، فقد انتهت الحكومة من وضع تصورها وعرضه على لجنة «البدون» في مجلس الأمة، هذا التصور الذي أعاد الأزمة إلى المربع الأول، حين حصر عدد من أسماهم بـ«البدون الفعليين» بخمسة آلاف شخص فقط من أصل أكثر من 91 ألف شخص، بينما ستسعى الحكومة إلى إجراء اتصالات بالدول التي ينتمي إليها الشخص «البدون» استنادا إلى أدلة تم استسقاؤها من نتائج التحقيقات التي قامت بها اللجنة التنفيذية، وتلك مفارقة تستحق الوقوف أمامها بشيء من التمعن. فالتصور يحمل أرقاما تتناقض وتصريحات كبار المسؤولين في وزارة الداخلية حيث ذكر بعضهم أن ملفات «البدون» التي ستنظر إليها الدولة لا تزيد عن الأربعين ألف ملف فقط، وذلك استنادا إلى الشروط التي وضعتها اللجنة التنفيذية لقبول استمرار بقاء ملفات «البدون» في قائمة الترشيحات لمنح الجنسية الكويتية والتي يأتي على رأسها شرط شمول صاحب الملف في إحصاء عام 1965م، وهذا يعني أن التصور الجديد قام على قاعدة بيانات خاطئة أو متناقضة مع البيانات السابقة، مما قد ينطبق عليه مقولة «ما بني على باطل فهو بالتأكيد باطل». وما يلفت أن التصور الجديد تحدث عن إعطاء إقامة صالحة في الكويت لعقدين آخرين والاستفادة من قوة العمل لتلك الشريحة في الحرف التي لا يقبل عليها الكويتيون والتي اصطلح على تسميتها بالحرف المتدنية، وناهيك عن كون تلك المعالجة ما هي إلى تأجيل حل المشكلة إلى وقت لا يضمن عامل الظرفين الزماني والمكاني مدى استفحالها، ولم تعالج قضية التنمية في تلك الفئة والتي تجعلها تتراوح في قدرتها العطائية بين العطاء الكمي والعطاء النوعي. فلا يعقل أن يتم استخدام من حصل على شهادات عليا في المهن المتدنية، ولا يعقل أن تجبر عشرات الآلاف من البشر على العمل في قطاعات عمل ذات مستوى اجتماعي هابط في وقت ينتمي أبناء تلك الشريحة إلى قبائل وعوائل ذات وزن اجتماعي كبير لا تقل عن القبائل والعوائل الكويتية إن لم تكن من نفس النسيج العرقي.







البدون يتحدثون





تاريخ النشر : 12 اكتوبر 2008

ليست هناك تعليقات: