
د. سامي ناصر خليفة استندت الحكومة منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أو من يمثل وجهة نظرها، إلى تبرير صعوبة التمييز بين بعض الوافدين من الذي أخفوا وثائقهم الثبوتية، وبين المنتمين لفئة «البدون»، وعلى هذا الأساس قرّرت السلطة السياسية في البلاد التعامل مع ملف «البدون» بحس أمني بحت، وذلك من خلال استبدال سياسة الإهمال والتقاضي عن تلك استمرار بقاء تلك الشريحة من المجتمع، بالمواجهة الأمنية والضغط المدني الهادف إلى تقليل أعدادهم قدر الإمكان، وهو ما اعتبره الكثير من المراقبين أنها سياسة غير حكيمة موصومة بالارتجالية، بل جاءت كرد فعل تجاه أحداث أمنية مرّت بها الكويت أثناء فترة الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1987) وما رافقها من إفرازات التمييز على أسس قومية وطائفية ساهم في تأجيجها النظام العراقي حين وصف حربه مع إيران على أنها حماية للبوابة الشرقية للوطن العربي مما اسماهم بالـ«الفرس» و«المجوس»..! وأيضا ما طرحه الخطاب الإعلامي العراقي آنذاك من تضليل للرأي العام العربي حين صوّر الحرب على أنها جاءت للحيلولة دون تصدير الثورة «الشيعية» من الوصول إلى الضفة الغربية من الخليج! ويرجح أن ادعاء الحكومة السابق هو غير قابل للتعميم بحيث يصبح هو القاعدة، حتى وإن وجدت بعض الحالات فعلا من هذا النوع، ولكنها تظل حالات نادرة لا ترتقي إلى مستوى الظاهرة، وذلك لعدة أسباب أهمها الآتي: 1. أنه من الطبيعي في ظل غياب المشرع القانوني الذي من مهمته معالجة قضية تجنيس المقيمين في الكويت ما بعد 1950م، أن تبقى هناك شريحة كبيرة من المجتمع الكويتي من الذين لم يسعوا إلى ترتيب أوضاعهم القانونية من جانب، أو من الذين جهلوا أهمية اقتناء هذه الوثيقة في ظل غياب التوعية الحكومية من جانب آخر، مع ملاحظة أن كليهما تتوفر فيه مقوّمة الحصول على الجنسية الكويتية آنذاك. 2. لا تختلف الأصول الجغرافية لفئة «البدون» عن الأصول الجغرافية لبقية المواطنين الذين حصلوا على الجنسية الكويتية، خاصة أن المجتمع الكويتي هو خليط من قوميات وعرقيات متجانسة تماما نزحت إلى الكويت من الدول المحيطة والمجاورة كما أسلفنا، وهذا ما يفسر علاقة النسب بين الكثير من المواطنين مع الكثير من فئة «البدون». 3. عدد فئة «البدون» الكبير الذي أعلنته الحكومة قبيل غزو العراق للكويت عام 1990 والذي قدر بأكثر من 220 ألف شخص، لا يمكن أن ينسب إلى الفئة التي استخدمت الهجرة غير القانونية للإقامة في الكويت، خصوصا أن للكويت حدودا جغرافية محميّة من قبل أجهزة أمن دورها الأساس هو ضبط ذلك التسلل والإبعاد المباشر للمقيمين بصورة غير قانونية. وفي حال كان ادعاء الحكومة صحيحا، فإن هذا يعني أن الحكومة قد مارست تسيبا أمنيا طوال العقود الماضية وعليها أن تتحمل المسؤولية وحدها لا أن تلقيها على سكان البلاد من فئة «البدون»، وهذا ما يفسر التساؤلات الكثيرة التي يطرحها الشارع الكويتي، ومنها: إذا كان المنتسبون لفئة «البدون» هم من الذين تسللوا عبر الحدود بصورة غير مشروعة وأخفوا جوازات سفرهم أو هوياتهم ووثائقهم «الأجنبية»، فكيف تم قبولهم للعمل في القطاع الحكومي طيلة فترتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؟! ولماذا لم تباشر الدولة آنذاك في كشف سجلاتها الرسمية لمنافذها الحدودية التي تسجل دخول وخروج الأفراد، ليمكنها من كشف تاريخ دخول من يدعي اليوم بأنه من فئة «البدون» إلى البلاد؟! وماذا عن المنتسبين إلى السلك العسكري في البلاد من الذين تعيّنوا منذ الستينيات من القرن الماضي وعددهم يصل إلى 10 آلاف رجل من فئة «البدون»؟! فكيف قبلت الحكومة أن يستمر هؤلاء منتسبين لفئة «البدون» في وقت سلّمتهم أخطر مهنة تتعلق بأمن البلد واستقراره وحمايته؟! وبناء على ذلك، فإنه من الصعب الجزم بادعاء الحكومة منطقيا. وما يساهم في تعقيد المشكلة أكثر أنه مع مرور الزمن ظهر الجيل الثاني والثالث وحتى الرابع من أبناء فئة «البدون» ممن ولدوا في الكويت ولا يعرفون غيرها وطنا ولم يعيشوا على أرض سواها، إضافة إلى ذلك حالة التداخل الكبيرة في الأنساب بين عدد كبير من المنتمين لفئة «البدون» مع أسر وعوائل المجتمع الكويتي، مما يجعل لتفريقهم عن بعضهم البعض انعكاسات سلبية على صعيد الترابط الاجتماعي والاستقرار السياسي والقلق الأمني في الكويت. معالجات الحكومة منذ الستينيات، ومع تفاقم حجم المشكلة اجتماعيا واقتصاديا بزيادة أعداد فئة «البدون» ومتطلبات تحمل الدولة لاستحقاقاتها المدنية والوطنية، يمكن القول ان الحكومة بدأت تشعر بقلق شديد مما حدا بها النظر بعين سياسية وأمنية لهذه المشكلة بدلا من النظر إليها على أنها مشكلة اجتماعية إنسانية تتطلب معالجتها دون المساس بالقيم التي استمدها المجتمع الكويتي من أعرافه وتقاليده الحميدة ودينه الإسلامي الحنيف، وهذا ما قد يفسر كافة الخطوات التي اتخذتها الدولة في حل المشكلة منذ عام 1985م، حين بدأت بتغيير دوري للمسمى القانوني والسياسي لهذه الفئة، مرورا بإهمال هذه الفئة تارة واعتبارهم جزءا من النسيج المجتمعي الكويتي تارة أخرى، وانتهاء بالتساهل في تمكينهم من الإقامة في الكويت دون قيود أو عراقيل، بل قبلت طلبات تسجيلهم مدنيا ومهنيا للعمل في القطاع الحكومي حتى وصل عددهم عام 1990 إلى 220 ألف نسمة. ففي الخمسينيات من القرن الماضي لم تكن هناك مسميات معينة للجنسية، وإنما كان الجميع مواطنين في إمارة الكويت. أما في الستينيات، فقد تم استخدام مسمى «بادية الكويت» (أي سكان الصحراء) للتعبير عن هوية فئة «البدون»، واستمر الأمر حتى السبعينيات حين ظهر لأول مرة مسمى «البدون» الذي يميّزهم عن المواطنين والوافدين معاً. أما في الثمانينيات، فقد استبدلت الحكومة بذلك المسمى مصطلح «غير كويتي» ورمزت له بـ «غ.ك» تفاديا للحرج الاجتماعي الذي طال هذه الفئة، وخصوصا أن الكثير منهم يعيش بين أقربائه وذويه من المواطنين الكويتيين. وقد منحت الحكومة في السبعينيات الجنسية لآلاف الأشخاص المنتسبين إلى ما بات يسمى عرفا بقبائل «الجنوب» رغم أن الكثير منهم يحملون الجنسية السعودية أيضا خلافا لقانون التجنيس الذي لا يقر بازدواجية الجنسية، وأهملت المنتسبين إلى ما بات يسمى عرفا بقبائل «الشمال» الذي يجمع أغلبهم مذهب واحد هو المذهب الشيعي، مما فسره الكثير من المراقبين المحليين أن العنوان الطائفي هو السبب الأساس وراء إصرار الحكومة على عدم الاعتراف بهم كمواطنين ورفض الاعتراف بحقهم في اكتساب الجنسية الكويتية. وفي الثمانينيات، وعلى أثر التصعيد الأمني الذي تعرضت له البلاد نتيجة لانعكاسات الحرب العراقية الإيرانية وما تبعها من خطورة توسيع رقعة الحرب لتشمل الكويت، سارعت الحكومة الكويتية إلى تشكيل لجنة أمنية عام 1985 لتقديم توصيات نهائية لآليات حل مشكلة «البدون» في البلاد، وقد قدمت اللجنة تقريرها السري في 29/12/1986 بعنوان: «دراسة مشكلة المقيمين في البلاد من فئة البدون»، حذرت فيه من تأثير تلك الفئة على الأمن الداخلي! واقترحت سياسة للتضييق المدني عليهم ضمن خطة شاملة وبعيدة المدى يتم تنفيذها تدريجيا لضمان نجاح الحل الشامل من جهة، وتجنبا لأي انعكاسات وردود فعل معارضة من جهة أخرى· أما في التسعينيات، فقد انقسمت التسمية إلى فترتين: الأولى قبل الغزو العراقي للكويت حين استخدمت الحكومة مسمى «غير محدد الجنسية» أملا في أن يتجه هؤلاء إلى تحديد جنسياتهم، والثانية بعد التحرير حيث استخدمت المسمى «مجهول الهوية»، وهي إشارة سلبية تعني ضمنا أن لتلك الفئة هويات تم إخفاؤها وتجهلها الدولة. وأخيرا استخدمت الحكومة مسمى «مقيم بصورة غير قانونية» في إشارة إلى عدم رغبة السلطة استمرار إقامة هؤلاء في البلاد. ومع التغيير الدوري في تسمية الدولة لتلك الفئة يمكن ملاحظة أن سياسة التغيير الدوري لمسمى فئة «البدون» باتت منسجمة مع متغيرات الظروف السياسية والأمنية طيلة فترتي الثمانينيات والتسعينيات، ومواكبة مع النظرة المتغيرة أيضا في طبيعة المعالجة القانونية لمشكلة تلك الفئة ما يعني أن الحكومات المتعاقبة كانت تعاني من اضطرابات في نظرتها إلى الكيفية التي يتم معالجة المشكلة. وحتى قبيل الغزو العراقي للكويت 1990، أعلنت الحكومة آنذاك أن حوالي 17 ألف فرد قد بادروا إلى تعديل أوضاعهم القانونية من خلال إبراز هويات لدول أخرى، كما ادعت الحكومة أنها اكتشفت الجنسيات الحقيقية لما يزيد على 15 ألف فرد آخر، ولا يمكن التعويل كثيرا على صحة تلك الادعاءات الحكومية في ظل غياب الدور الرقابي للسلطة التشريعية في البلاد. وجاء الاحتلال العراقي للكويت في أغسطس 1990 حال دون متابعة تنفيذ الخطوات الإجرائية التي وضعتها اللجنة في شأن حل المشكلة على النحو المعد له. أما بعد تحرير الكويت ولظروف الحرب وهجرة الكثير من أبناء هذه الفئة شأنهم شأن بقية المواطنين والوافدين إلى الدول المجاورة بحثا عن الاستقرار، أصبح عددهم لا يزيد على 117 ألفا عام 1992، ثم تراجع هذا العدد عام 2001 ليصبح 78 ألف فرد حسب إحصاءات الدولة، وذلك لتعديل حوالي 23 ألف فرد أوضاعهم حسب ادعاء الحكومة. حطام انسان تاريخ النشر : 11 اكتوبر 2008
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق